STORIES

قصة لاجئين سوريين جمعتهم وفرقتهم السياسة

في ليلة الثالث عشر من آب 2015، ومن خلف شجيرات احدى قرى مدينة بودروم، شابان سوريان كانا يستعدان لرحلة الى اليونان عبر الشواطئ التركية. بشار البالغ من العمر أربعة وعشرين عاما وباسل البالغ من العمر ستة وعشرين عاما كلاهما اختار قراراً مصيريا في تلك الليلة. بشار قرر العودة الى إسطنبول بينما قرر باسل ان يتابع مسيرته باتجاه المانيا.

كان بصحبة الشابين أربع شباب آخرين هم رفاقهم قد التقوا ببعضهم عن طريق الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء. كانت أيام تحضيرهم للذهاب بطيئة ومليئة بالتوتر. عند غروب الشمس، بدأ الرجلان رحلتهما إلى الغابة باتجاه احدى قرى مدينة بودروم مع أربعة من رفاقهم. هناك حيث التقيا بالوسطاء التابعيين للمهربين، إلى جانب العشرات من اللاجئين والمهاجرين كانوا ينتظرون بصمت تحديد وجهتهم. كان هدفهم الوصول إلى احدى قرى مدينة بودروم حيث ينتظرهم المهربين مع قواربهم المطاطية.

حين وصلوا قام وسطاء المهربين بحشد الناس داخل سيارات الأجرة وتوجهوا نحو القرية، وعندما وصلوا الى القرية أمرهم وسطاء المهربين بالنزول والركض دون الالتفات الى الوراء. تلت ذلك حالة من الفوضى بين النساء والرجال والأطفال وركضوا حتى أقبل الليل. وعندما هدأت الحشود، اقترح باسل أن يكون هنالك نظام في مسيرهم، وقد تولى تنظيم سيرهم وفقاً للتضاريس. وبعد ساعات من المشي أصبحت اليونان قريبة جدا. “كنت أستطيع رؤيتها “يقول باسل.

“لقد كانت قريبة جدا حيث أستطيع السباحة إلى اليونان.” لدى اقترابهم من الساحل، اكتشفوا أن خفر السواحل التركي ينتظرهم مع مشاعل من الضوء. حيث من شدة تلك المشاعل التي تسبب بالعمى حاولوا الاختباء والتوزع في بعض الأماكن التي حولهم. “جريت حقا بسرعة حتى لم أعد أشعر بساقي”، وأوضح باسل. “كنا خائفين بشكل كبير بحيث أصبحنا نفكر بالعودة لأننا لم نكن نملك حتى سترات من أجل النجاة.”

في نهاية المطاف، قرر بشار الرجوع للوراء والعودة  إلى اسطنبول، في حين أنَّ باسل، قرر متابعة طريقه إلى اليونان ومنه لألمانيا المرجوة للإقامة فيها، لم أكن أفكر من عقلي، كنت أشعر فقط”،بحسب قوله.

شردوا من ديارهم ويعيشون على بعد آلاف الأميال عن بعضهم البعض، قصة بشار وباسل قد تقاطعت وتباينت بطرق غير متوقعة منذ تلك الليلة في بودروم.

الحياة في اسطنبول

“أنا لا أعرف نهاري من ليلي”، يقول بشار، وهو يشق طريقه في الشوارع المزدحمة في اسطنبول. بشار الذي يبلغ طوله 193سم مع شكل شعره المجعد الذي يظهره بشكل أطول وبشكل حاد على النقيض كانت معنوياته منخفضة. “ليس هناك أرض صلبة لي لكي أقف عليها”، كما يوضح لي في أكتوبر 2015 أثناء تناول الشاي في توت ونجو. توت ونجو هو مقهى شيشة ودخان يرتاده الموسيقيين السوريين في اسطنبول والمكان الذي يقضي فيه بشار معظم اوقات فراغه

وهناك 2.2 مليون لاجئ سوري في تركيا، بالإضافة الى 200.000 يعيشون في مخيمات اللاجئين؛ وباقي اللاجئين في المناطق الحضرية. بشار هو من بين هؤلاء اللاجئين الذين يعيشون خارج المخيمات. أكثر من شهرين مضى على عودته من بودروم، وقال انه لا يزال باستضافة أحد الأشخاص دون تغيير ملحظ في حياته

وله نصيب من أيام جيدة وأخرى سيئة. “أنا كتاب مفتوح”، وقال مازحاً مع ابتسامة، وهو يسرح شعره الى المنتصف ويتظاهر بتقليب صفحات الكتاب. اليوم هو يوم جيد. بشار لاعب غيتار كلاسيكي، حيث يتقن بعض الإيقاعات مثل “تاراتنا” من الملحن الإسباني باكو دي لوسيا. عندما غادر سوريا، لم يأخذ بشار معه أكثر من حقيبته وغيتاره، الذي يعزف به مع فرقته في الشوارع. “اللعب يساعدني على الاستسلام بسهولة إلى الواقع”، كما يقول. عروض الشوارع تكسب له ولغيره من الموسيقيين السوريين قلة قليلة من النقود، ولكن لا تكفي لدفع الأجور أو تحقيق الاستقرار المالي.

غادر بشار منزله الكائن في مدينة اللاذقية السورية، معقل الرئيس بشار الأسد، في 25 ديسمبر 2014. وتخرجه الجامعي يلوح في الأفق، حيث كان يتوجب عليه الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش العربي السوري. بدلاً من انتظار لا مفر منه، غادر بشار قبل التخرج.

ولكنه لا يزال حريص على مواصلة تعليمه، على الرغم من تكاليف الرسوم الدراسية الباهظة الثمن في تركيا. “أنا لا أريد أن أكون غير متعلم”، كما يقول. في نهاية المطاف، بشار يتمنى العودة الى اللاذقية. “عائلتي تقول لي أنني محظوظ لوجودي هنا، لكنهم لا يعرفون حجم معاناتي هنا “، هو متأكد من ذلك.

كانت حياة بشار مليئة بالتحديات في تركيا، حيث كان يعاني من مرض في القلب ولم يكن بإمكانه علاجه. ولم يكن الشخص الوحيد في عائلته الذي يحمل مرض كهذا. حيث أثبتت التشخيصات أصابه والديه في مرض السرطان في عام 2012، وأصبح بعد ذلك يعتني بهما خلال مرحلة دراسته الثانوية. “أنا لا أشعر بالأمان في تركيا بسبب وضعي الصحي”، كما يقول. وقال “عندما كنت مع أمي كانت تعتني بي عندما أشعر بالألم وتجعلني أشعر بالهدوء والطمأنينة.”

في مقهى توت ونجو كان بشار ورفاقه يلفون السجائر ويتبادلون النكات وهم يستعدون للعزف على الغيتار في أكثر الشوارع ازدحاما في المدينة. “جميع السياح الذين نراهم يلهون ويتمتعون بوقتهم هنا،” بشار شارد الذهن، قبل أن يبدأ ورفاقه بعزف لحن حزين على غيتاره. “انه شعور صعب.”

“غادرت من اسطنبول إلى ازمير مع جميع أصدقائي وها قد عدت وحيدا، ولم يبقى لي أحد الآن” يقول بشار. “أنا وحيد”. ومع ذلك، لم أشعر بالندم لقراري بالبقاء في تركيا. “وأنا دائما أطلب من أصدقائي عدم الذهاب إلى أوروبا؛ انها مهينة للغاية “، كما يقول بعد تناوله كأس ثالث من الشاي، وثلاث قطع من السكر. عدم وجود ممر آمن إلى أوروبا، إلى جانب صفقة اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في الآونة الأخيرة، عمقت الأزمة الإنسانية على طول الحدود التركية، والتي أغلقت الآن في وجه السوريين. يوم 3 من مارس، تلقت تركيا الدفعة الأولى من عمليات الترحيل من اليونان في بلدة دجيلي، على الساحل التركي الغربي.

“نحن نواجه الموت من أجل الذهاب الى أوروبا وندفع الكثير من المال لنطلب من الحكومة الألمانية لتعطينا المال. إنه شيء معيب للغاية “، يقول بشار. في حين تظهر مشاعره تجاه أوروبا في محاولتين فاشلتين لعبور بحر إيجة، فهي ترتكز معظمها في الرغبة المستمرة في العودة إلى الديار. “أنا لا أفكر في الحرب. سوريا، بالنسبة لي، هي عائلتي، “يصر، بحزم. “هدفي هو العودة.”

الحياة في مانها يم،

ألمانيا 1450 ميلا بعيدا عن اسطنبول، تذكر باسل أسباب وصوله إلى ألمانيا، ونحن نجلس في مقهى في مدينة مانها يم في أكتوبر عام 2015. “أحب أن أفعل الأمور على طريقتي”. وكان يرسم على الطاولة ملاحم خمسة وعشرين يوما قضاها من بودروم إلى ألمانيا، وذلك باستخدام أكواب وملاعق كان قد جمعها من على الطاولة.

هو بالأصل من دمشق، ولديه براغماتية وثقه بالنفس عالية قاطعة من رجل أعمال كبير. “لا يوجد عمل لا يخلوا من المخاطر”، كما يقول بوصفه مخاطر الوصول إلى أوروبا. وهي المقولة التي يؤمن بها، ولكن لم تكن لتتم على ما يرام بالنسبة لآلاف اللاجئين والمهاجرين الذين غرقوا في البحر.

إقناع بشار ليأتي معنا كان من المستحيل”، يتذكر باسل. وكان باسل قرر مواصلة حياة أفضل في أوربا بدون تردد. وكان يعيش في تركيا لمدة ثلاث سنوات ونصف مع عائلته. فكرة الذهاب الى أوروبا كانت دائماً في رأسه. كان يحلم دائما في الدراسة في ألمانيا.

مثل بشار، باسل هو أصغر شخص في عائلته. وقال إنه كان دائماً مستعد للذهاب الى أوربا إذا وافقت والدته على ذألك. فعندما وافقت لم يمضي وقت طويل حتى يجد باسل نفسه في بودروم

حيث كان باسل وأصدقائه ينتظرون لمدة يوم كامل قبل مغادرتهم تحت أشعة الشمس الحارقة. تظاهروا أنهم سياح خلال مرور خفر السواحل من جانبهم. وعند حلول الظلام، جاء المهربون وأخذوهم معهم. من أجل أن يساعد نفسه في دفع تكاليف الرحلة، تطوع باسل لقيادة الزورق المطاطي إلى كوس، ليصبح بعدها القائد الفعلي لجماعته. مستخدما مهاراته ومواهبه في اللغة الإنجليزية للتفاوض مع “المافيا الصربية” من أجل الوصول إلى المجر، حيث كان يسمي هذه المافيا مهربين البشر.

في حين يعتقد باسل أن فعل الأشياء على طريقته عادة ما يكون أفضل بكثير، وقد علمته رحلته انه لا يمكن فعل الكثير في بعض الظروف الصعبة التي يمر بها معظم السوريين الفارين الى أوربا. وقال “اعتقدت أن الأمر سيكون سهلاً، ولكن أنا لست نادما على المجيء إلى ألمانيا”، كما يقول. “ذلك يجعل التحدي صعباً.” بصوت مليء بالغضب يتذكر كيف السلطات المجرية صادرت قداحته المطلية بالفضة، وهو الإرث الوحيد من والده. “إن السلطات المجرية تسرق من اللاجئين”، كما يقول بغضب.

وقال “لدي خطة مدتها سبع سنوات”، ويقول باسل بهدوء، كما لو كان يتحدث عن أيام بدلا من السنوات. إنه يخطط لإنهاء دراسته الجامعية، للحصول على درجة الماجستير، والحصول على وظيفة ذات راتب عالي. “ألمانيا الخصبة”، كما يضيف، مشيرا إلى العديد من المشاريع التجارية التي يمكن أن تزدهر في أي جزء من وسط مدينة مانها يم. واضاف “لكن لا يمكن أن أقول انها فرصة “، كما يؤكد، وخصوصاً كوني لاجئ سوري في أوروبا. “لقد فقدت كل شيء، وأنها ليست ” فرصة “للأشخاص الذين فقدوا كل شيء” كما يقول. بعد لحظة من الصمت وعدد قليل من السجائر نفث مضيفاً، بدهاء وتميز، “لقد فقدت بلدي ولكنني لست ميتا”.

في حين البيروقراطية الألمانية قد تجعل الحياة صعبة، باسل يرى في الوقت الحالي أن ألمانيا هي المكان المناسب للحصول على التعليم وتحقيق حلمه في امتلاك شركة سمسرة للأوراق المالية. كل ما يطلبه من الشعب الألماني “قبولنا هنا كلاجئين مثل الناس العاديين القادمين الى هنا من أجل العمل والدراسة. ”

بعد ثمانية أشهر من اجتماعنا الأول في ألمانيا، وأنا أتكلم مع باسل مرة أخرى على الهاتف مارس 2016. إحساسه الفكاهي يعكس تجارب مريرة قد مر بها معظم الكلمات التي كانت تخرج من فمه مليئة بالشتائم، وذلك من مرارة وفظاعة ما مر به. باسل يقول لي انه تم نقله إلى خارج المخيم، حيث كان يقيم، وإرساله إلى مركز كان يستخدم كمصح عقلي في السابق حيث يحتوي المركز حوالي 100 لاجئ في مدينة ناغولد.

منذ وصوله لأول مرة في ألمانيا، وقد أصيب باسل بالالتهاب الرئوي، ونقل إلى المستشفى، وبدأ دورة للغة الألمانية. وقال انه لا يزال ينتظر مقابلة إقامته مع سلطات الهجرة الألمانية. وراتبه الشهري الذي كان يأخذه من الحكومة حيث يبلغ 350 يورو كان معظمه يذهب كمصاريف للمواد الغذائية.

أصدقاء باسل، الذين شاركوه لحظاته الصعبة في رحلته إلى أوروبا، كانوا قد أرسلوا جميعاً إلى قرى مختلفة. “تم نقلي بمفردي،” باسل يقول لي. “أرسلوا الجميع إلى قرى صغيرة مختلفة ولم يبقى أحد مع أصدقائه. تشعر بالوحدة دون أصدقاء، عائلة، من دون أي شخص يهتم بك، في محاولة للبقاء على قيد الحياة. ”

“لماذا أنا أفعل كل هذا وحيد؟” يسأل نفسه. “اسمحوا لي أن أعود إلى عائلتي، حتى لو كان لا بد لي من أن أعيش حياة سيئة، فإنها أفضل من أن أكون بعيداً وحيداً”. الحياة هناك ليسه سيئة جداً. “على الأقل أنا لا أقوم بالبكاء في الليل”، يقولها مازحاً.

سوف ينتظر باسل، تماما كما فعل في الستة أشهر الماضية. سوف ينتظر المواعيد المهمة. حيث بعد ذلك ليبدأ حياته في ألمانيا. حيث يحتفل بشفائه من الالتهاب الرئوي بأكله القليل من رقائق الشيبس ومضيفاً بعض الشتائم الى حديثه بحيث يشعر بالسعادة عند فعل ذلك. وقد أنهى حديثه باستخدام كلمة وداعاً باللغة الألمانية (تشوس) معبرا بذلك عن حياة جديدة بدأها في بلد جديد.

مسارات منفصلة

بشار وباسل لا يبذلان أي جهد للتواصل مع بعضهم البعض. كل منهم منغمر في حياته الخاصة. ولكن، كلاهما بدأ أن يفهم أن السياسات الحكومية المتغيرة باستمرار تؤثر على حياتهم، ربما أكثر حتى من الخيارات التي يتخذونها.

اللحظات المشتركة التي عاشوها في الغابة قد قلبت حياتهم، للأفضل أو للأسوأ، وجعلهم في مساريين مختلفين. لو لم يكونوا قد نزحوا بسبب الحرب السورية لكانوا لم يضطروا إلى العبور. ولو كانت تركيا وأوروبا قد أوجدت حل لهذه الحرب لما أضروا إلى الفرار ولم يكونوا ألتقوا أيضاً.

ومن خلال هذا المنظور من التجربة الإنسانية، التي تغذيها الحرب، يمكن أن نرى كيف أن حياة اللاجئين هي ليست صنيعت أيديهم وقراراتهم وإنما هي صنيعت القرارات السياسية التي تحول حولهم.